
يعد المنهج المدرسي أداة المدرسة ووسيلتها التي تسعى من خلالها إلى تحقيق أهداف المجتمع , فالمناهج هي خط الدفاع الأول لأي أمة من الأمم, فمن خلالها يمكن التركيز على حاجات المجتمع وقيمه وتطلعاته ومشكلاته, وإعداد الأفراد القادرين على مواجهة تلك المشكلات والرقي به , وبنظرة سريعة على اهتمام الأمم بالمناهج - ولنأخذ الولايات المتحدة كمثال على ذلك- حيث يظهر الاعتماد بشكل رئيس على جعل المناهج هي الحل الأمثل للمواجهة والتطوير , فعندما أطلق الروس أول صاروخ للفضاء (سبوتنك) عام 1957م أصدر الكونجرس الأمريكي عام 1958م قانون " الأمن القومي للتعليم " وتم دفع مبالغ طائلة لتنمية الجوانب الحيوية في التعليم, ثم صدر بعد ذلك (عام 1983م) التقرير الشهير ( أمة معرضة للخطر) يحذر من عدم صلاحية نظام التعليم الأمريكي لإعداد المواطن للقرن الحادي والعشرين وتم اتخاذ عدة تدابير وإصدار عدة تقارير لتحسين التعليم ورفع مستوى المعلم وراتبه , وفي عام (1998م) صدر تقرير آخر يحمل عنوان ( أمة من المتفرجين ) أصدرته اللجنة الوطنية الأمريكية لاستعادة القيم الأخلاقية ويوضح التقرير الحاجة الملحة إلى تعليم الأخلاق الحميدة , ليعود المجتمع الأمريكي إلى سابق عهده من حيث الالتزام بالقيم الأخلاقية, وقد أشار التقرير إلى أن أمريكا استقبلت القرن الحادي والعشرين وهي مزدهرة وآمنة وحرة , ولكن الوضع الأخلاقي والقيم الأخلاقية للمجتمع الأمريكي مضطربة إلى حد كبير , حيث انحلت روابط الجيرة , وانحل النظام الاجتماعي الذي يربط بين تركيبة المؤسسات , وأصبح جزء كبير من الحضارة الشعبية سوقيا وعنيفا ومفتقدا للذكاء والأصالة, ونسبة كبيرة من الشعب غير متمدن وفظ الطباع .
لقد كان الأطفال في عصر سابق يتعلمون من آبائهم من خلال تقليدهم ومحاكاتهم عند ممارسة أعمالهم المهنية , وبمرور الزمن وتراكم الثقافة الإنسانية صعُب تربية هؤلاء الأطفال فأنشئت المدارس لتعليمهم المعارف الأساسية التي يرى الكبار أنها ضرورية لهم, علما أن المناهج في تلك الفترة لم تكن مكتوبة وإنما يترك للمعلم اختيارها. ونظرا لتزايد العلوم والمعارف وتضاعفها بشكل مذهل خلال العصر الراهن ,فإن نظم التعليم الحالي والمستقبلية مطالبة بأن يكون تعليم الأفراد على درجة عالية من الكفاءة والتمشي مع التغيرات الحادثة التي تسهم في إعداد الأأجيال لتحقيق ما هو متوقع منها.
ومما سبق نستطيع القول : إذا كانت المناهج تحظى بهذا القدر من الأهمية فإن من واجب المعلم والأب و الإعلامي والمسؤول تعرف معنى المنهج ,وأسس بناءه, ومكوناته, وكيفية تقويمه وتطويره , ليسهم كل في مجاله بما يستطيعه , فعملية البناء عملية تكاملية ولا تقتصر على فرد دون آخر .
ومن هنا يسعدني أن أقدم لكم دورة بعنوان : أساسيات المناهج . وسأسعى جاهدا لتقديمها لكم بأسلوب سهل يسير, مبتعدا في ذلك عن الصياغات العلمية المتخصصة , ومصدر سعادتي هو متابعتكم للدورة والسؤال والاستفسار عن كل ما يشكل عليكم , كما أن أي إضافة من قبلكم ستعد إضافة للدورة , وآمل أن اصطحب وإياكم في رحلة ممتعة يجمعنا فيها التقدير ( والمرح) وحب الاستفادة . وسوف أحاول أن أفسر في كل حلقة بعض المفاهيم المرتبطة بالمناهج حتى إذا ما ورد ذكرها في سياق الكلام تكون مفهومة للجميع, فامتلاكك لعلم ما يتوقف على امتلاكك لمفاهيم ذلك العلم . وستكون الدروس في الأيام التالية ( السبت – الأحد – الاثنين) وسيكون الدرس الأول يوم السبت (5/5/1429هـ) ثم تتالى الدروس حتى نهاية الدورة إن شاء الله تعالى.
نسأل الله تعالى التوفيق والسداد