الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده أما بعد
في بداية هذه الدورة يحسن التنبيه إلى الطريقة التي سوف أتمشى بها في هذه الدورة الثالثة حتى يكون القارئ منها على علم ودراية :
سيكون الإختصار هو المختار نظراً لكثرة مسائل الحج وتفرعها ،وقصر مدة هذه الدورة المباركة وتركيزاً على المهم ،ولذا فإنني سأترك تفصيل كثير من المسائل لحين السؤآل عنها ،فمن أشكل عليه شيء فلايتوانا في الإستفسار عما أشكل عليه،وأسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم الإخلاص في القول والعمل .
مقدمه
شرع الله عز وجل الأحكام لغايات عظيمة ومقاصد مهمة وأهداف سامية ينبغي على الإنسان أن يقف عليها لأنه متى ما أدرك الحِكمة ترتب على ذلك أداء العبادة على الوجه الصحيح الذي يتناسب مع مقاصد تلك العبادة .
والحج عبادةٌ عظيمة فرضها الله عز وجل على عباده ونحن نعرض بعض الحِكم التي ذكرها العلماء فيه ثم نبيّن ما ترتب على الجهل بها في أداء الناس في هذه الشعيرة ، وفيه من الحِكم والفوائد ما لا يعلمه إلا الله عز وجل ومن هذه الحِكم : الحِكمة الأولى : أنه عبادة لله عز وجل :
وكل عبادة لها مقصد عام ، هذا المقصد هو الخضوع والتذلل لله وهذا في جميع العبادات أنها من حِكمها العظيمة الخضوع والتذلل لله تبارك وتعالى ، ومتى حصل هذا المقصد للعبد وكان خاضعاً متذللاً لربه تبارك وتعالى فإنه حينئذ يعتنى بهذه العبادة لأنه يريد أن يحقق هذا المقصد فأنت حين تصلي تستشعر هذه الغاية وهو إظهار الخضوع والتذلل لله عز وجل ، وحين تحج وحين تعتمر وحين تطوف بالبيت …
فإذاً كل عبادة مقصدها العام الخشوع والتذلل حتى يظهر فقر العبد لله عز وجل أنه عبد لله كلفه بما شاء سبحانه فليس له إلا الخضوع والتذلل لله عز وجل . الحِكمة الثانية : إقامة ذكر الله عز وجل :
فمن تأمل الآيات التي وردت في الحج يجد هذا جلياً واضحاً فيها ، فإن الله عز وجل ذكر آيات تتعلق بالحج وذكر فيها أهمية الذكر فقال - عز وجل - :
1- ) ليس عليكم جُناحٌ أن تبتغوا فضلاً من ربكم فإذا أفضتم من عرفاتٍ فاذكروا الله عند المشعر الحرام وذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضآلين * ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله أن الله غفور رحيم * فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم ءابآءكم أو أشد ذكرا ) .
2- ) واذكروا الله في أيام معدودات ) .
3- ) وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضـامرٍ يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات ) .
فتلاحظ أن هذه الآيات جميعاً ذُكر فيها أهمية الذكر في الحج ، وقد ثبت عن النبي أنه
قال : (( إنما جُعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله )) .
فهذه الحِكمة وهذا المقصد العظيم الذي شُرع من أجله الحج كثيرٌ من الناس في غفلة عنه ، لذا يرتكبون أفعالاً كثيرة مخالفة لهذا المقصد أو لا علاقة لها بالحج وذلك حين يشتغلون بما لاينفعهم من اللهو والقيل والقال .
فأنت تلاحظ أنه من حين يُحرم الحاج يلبي لله عز وجل وهذا ذكر لله ، وفي الطواف يذكر الله وفي السعي يذكر الله ، وفي عرفات يذكر الله ، وعند المشعر الحرام يذكر الله ، وفي كل فعلٍ من أفعال الحج ذكرٌ لله سبحانه وتعالى . الحِكمة الثالثة: أن يستشعر الإنسان ما هو قادمٌ عليه من المصير :
فحين يتجرد من ثيابه التي كان يلبسها يُذكره ذلك بالآخرة ، ففي الحج تذكيرٌ بالآخرة ، فكأنه يُقال للإنسان إنك في يوم من الأيام ستجرد من ملابسك وستودع هذه الدنيا فخذ من دنياك لآخرتك . الحِكمة الرابعة : إن في الحج اجتماع المسلمين :
وهذا مقصد عظيم ، ففيه وحدة المسلمين وجمع كلمتهم ووحدة صفهم ، فهذا المقصد العظيم رأيناه ظاهراً في صلاة الجماعة التي تتكرر في اليوم خمس مرات في المساجد فهذا اجتماع مصغر يلتقي فيه أصحاب الحي في اليوم خمس مرات في بيت من بيوت الله عز وجل يؤدون فريضةً من فرائض الله ، ثم يأتي اجتماع أكبر وهو يوم الجمعة وهو اجتماع أسبوعي ، ثم يأتي اجتماع في السنة مرتين وهو الاجتماع لصلاة العيدين ( عيد الفطر وعيد الأضحى ) ، ثم يأتي الحج وهو الاجتماع السنوي للمسلمين وهو واجب في العمر مرة واحدة وفي هذا الاجتماع منافع كثيرة كما قال الله عز وجل :
) ليشهدوا منافع لهم ( ، فقوله عز وجل : ) منافع( كلمة مطلقة تشمل : المنافع الأخلاقية والدينية ، والاجتماعية ، والاقتصادية ، ... ، وقد ذكر العلماء - رحمهم الله تعالى - كثيراً من المنافع التي تترتب على الاجتماع في الحج فمنها : تعرف المسلمين على بلاد بعضهم ، وعلى أحوالهم ، ويتعرف التاجر على مواطن التجارة في البلدان المختلفة ، و يتعرف على ما يحتاج إليه المسلمون في كل مكان من بقاع الأرض .
بالإضافة إلى أن هذا الاجتماع مظهرٌ من مظاهر وحدة المسلمين ، لأنهم يظهرون بلباس واحد ويجتمعون في مكان واحد يدعون رباً واحداً ويقومون بإعمال واحدة ولا فرق بين غنيهم وفقيرهم ، فهذا مظهر أيضاً من مظاهر اجتماعهم ووحدة كلمتهم . الحِكمة الخامسة : في الحج مغفرة الذنوب وابتغاء الثواب :
وهذا أعظم ما يسعى إليه الإنسان فإن الرسول قال : (( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ، والحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة )) :
والحج المبرور هو الذي :
1- أن يكون خالصاً لله عز وجل .
2- أن يمتثل العبد فيه لأوامر الله ويجتنب نواهيه العامة والخاصة .
3- أن يكون فيه المال حلالاً .
4- أن يكون صاحبه متبعاً لرسول الله في أداء النسك .
وقال : (( من حج هذا البيت ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أُمه )) فهذا أيضاً مقصد عظيم يسعى إليه المسلمون . الحِكمة السادسة : إحياء سنة إبراهيم عليه السلام . فضل الحج:
1- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: ((إيمان بالله ورسوله)). قيل: ثم ماذا؟ قال: ((جهاد في سبيل الله))، قيل: ثم ماذا؟ قال: ((حج مبرور))أخرجه البخاري
قال النووي رحمه الله: "الأصح الأشهر أن المبرور: هو الذي لا يخالطه إثم، مأخوذ من البر وهو الطاعة، وقيل: هو المقبول. ومن علامة القبول أن يرجع خيرا مما كان ولا يعاود المعاصي
2- عن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، قال: ((لكن أفضل الجهاد حج مبرور)) أخرجه البخاري
3- عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة)) ) أخرجه أحمد والترمذي وقال الترمذي: "حسن صحيح"، وصححه ابن خزيمة وابن حبان
4- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: جاء رجل من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كلمات أسأل عنهن، قال: ((اجلس)). وذكر الحديث. وفيه قال صلى الله عليه وسلم عن الحاج: ((فإن له حين يخرج من بيته، أن راحلته لا تخطو خطوة إلا كتب له بها حسنة، أو حطت عنه بها خطيئة، فإذا وقف بعرفة فإن الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا، فيقول: انظروا إلى عبادي شعثاً غبراً، اشهدوا أني قد غفرت لهم ذنوبهم، وإن كان عدد قطر السماء ورمل عالج، وإذا رمى الجمار لا يدري أحد ما له حتى يوفاه يوم القيامة، وإذا حلق رأسه فله بكل شعرة سقطت من رأسه نور يوم القيامة، وإذا قضى آخر طوافه بالبيت خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه))
حسنه الألباني في صحيح الجامع
5- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من خرج حاجاً فمات كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمراً فمات كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازياً فمات كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة))صححه الألباني في صحيح الترغيب
التعديل الأخير تم بواسطة الداعيه ; 21-12-2006 الساعة 09:58 PM
مشاركة: الدرس الأول من الدورة الفقهية (أحكام الحج)
الدرس الثاني:
وقفات مهمة لمن أراد الحج أو العمرة :
إذا عزم المسلم على السفر إلى الحج أو العمرة استحب له ما يلي:
1. المبادرة إلى التوبة النصوح من جميع الذنوب:قال تعالى: {وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون}.
قال ابن القيم: "هذه الآية في سورة مدنية خاطب الله بها أهل الإيمان وخيار خلقه أن يتوبوا إليه بعد إيمانهم وصبرهم وهجرتهم وجهادهم ثم علق الفلاح بالتوبة تعليق المسبب بسببه, وأتى بأداة (لعل) المشعرة بالترجي إيذاناً بأنكم إذا تبتم كنتم على رجاء الفلاح فلا يرجو الفلاح إلا التائبون جعلنا الله منهم".
2. رد المظالم إلى أهلها والتحلل منها:عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم, إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته, وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه)) رواه البخاري.
قال ابن حجر: "قوله: ((من عرضه أو شيء)) أي من الأشياء وهو من عطف العام على الخاص فيدخل فيه المال بأصنافه والجراحات حتى اللطمة ونحوها، وقوله: ((قبل أن لا يكون دينار ولا درهم)) أي يوم القيامة، ولا تعارض بين هذا وبين قوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزرة أخرى} لأنه إنما يعاقب بسبب فعله وظلمه ولم يعاقب بغير جناية منه بل بجنايته, فقوبلت الحسنات بالسيئات على ما اقتضاه عدل الله تعالى في عباده".
3. تحرّي النفقة الحلال لحجه وعمرته:عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا} وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} ثم ذكر الرجل يطيل السفر: أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب, ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام , فأنى يستجاب لذلك)) رواه مسلم.
قال ابن رجب: "المراد أنه تعالى لا يقبل من الصدقات إلا ما كان طيباً حلالاً، وقد قيل إن المراد في هذا الحديث أعم من ذلك وهو أنه لا يقبل من الأعمال إلا ما كان طيباً طاهراً من المفسدات كلها كالرياء والعجب ولا من الأموال إلا ما كان طيباً حلالاً، وفي هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يُقبل العمل ولا يزكو إلا بأكل الحلال، وأن أكل الحرام يفسد العمل ويمنع قبوله".
4. أن يقصد بحجه وعمرته وجه الله والدار الآخرة ويحذر من أن يقصد بحجه الدنيا أو الرياء والسمعة:قال الله تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً}.
قال السعدي: "يخبر تعالى أن من كان يريد الدنيا العاجلة المنقضية الزائلة فعمل لها وسعى ونسي المبتدأ والمنتهى أن الله يُعجل له من حطامها ومتاعها ما يشاؤه ويريده مما كتب الله له في اللوح المحفوظ, ثم يجعل له في الآخرة جهنم".
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك, مَن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)) رواه مسلم.
قال النووي: "ومعناه أنا غني عن المشاركة وغيرها, فمن عمل شيئاً لي ولغيري لم أقبله, بل أتركه لذلك الغير, والمراد أن عمل المرائي باطل لا ثواب فيه ويأثم به".
5. تعلم أحكام الحج والعمرة وما يتعلق بهما من شروط الحج وواجباته وأركانه وسننه حتى تعبد الله على بصيرة وعلم:
قال عبد العزيز بن باز: "وينبغي له أن يتعلم ما يشرع له في حجه وعمرته ويتفقه في ذلك ويسأل عما أشكل عليه ليكون على بصيرة".
6. اختيار الرفقة الصالحة: فإنهم خير معين لك في هذا السفر المبارك:قال تعالى: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه}.
قال السعدي: "ففيهما الأمر بصحبة الأخيار، ومجاهدة النفس على صحبتهم ومخالطتهم وإن كانوا فقراء, فإن في صحبتهم من الفوائد ما لا يحصى".
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)) رواه الترمذي، وحسّنه الألباني في صحيح الجامع.
قال المباركفوري: "قوله: ((على دين خليله)) أي على عادة صاحبه وطريقته وسيرته وقوله: ((من يخالل)) من المخاللة وهي المصادقة والإخاء فمن رضي دينه وخلقه خاله ومن لا تجنبه فان الطباع سراقة والصحبة مؤثرة في إصلاح الحال وإفساده".
مشاركة: الدرس الأول من الدورة الفقهية (أحكام الحج)
أخي الحبيب
جزاك الله خيرا
كلام نفيس
وصياغة رائع وسهلة وواضحة
ثق أنني سوف اجمع هذه المادة في ملزمة واحتفظ بها وأكتب عليها : إعداد الشيخ : الداعية .. منتديات بني شهر
أدعو لك بالتوفيق والسداد أيها النبيل
__________________
كعصفورة في كف طفل يسومها ** حياض الردى والطفل يلهو ويلعبُ
فلا الطفل ذو عقل يـرق لما بها ** ولا الطير ذو ريش يطير فيذهبُ
مشاركة: الدرس الأول من الدورة الفقهية (أحكام الحج)
أخي الحبيب
جزاك الله خيرا
كلام نفيس
وصياغة رائع وسهلة وواضحة
ثق أنني سوف اجمع هذه المادة في ملزمة واحتفظ بها وأكتب عليها : إعداد الشيخ : الداعية .. منتديات بني شهر
أدعو لك بالتوفيق والسداد أيها النبيل
__________________
كعصفورة في كف طفل يسومها ** حياض الردى والطفل يلهو ويلعبُ
فلا الطفل ذو عقل يـرق لما بها ** ولا الطير ذو ريش يطير فيذهبُ