أتراها تحبني ميسون ... ؟؟
أتراها تحبني ميسون
أم توهمت ... والنساء ظنون
كم رسول أرسلته لأبيها
ذبحته تحت النقاب العيون
يا ابنة العم ... والهوى أموي
كيف أخفي الهوى وكيف أبين
كم قتلنا في عشقنا ... وبعثنا
بعد موت ، وما علينا يمينُ
ما وقوفي على الديار ، وقلبي
كجبيني ، قد طرزته الغضونُ
لا ظباء الحمى رددن سلامي
والخلاخيل ما لهن رنين
هل مرايا دمشق ، تعرف وجهى
من جديد ، أم غيرتني السنينُ
يا زماناً في الصالحية سمحاً
أين مني الغوي ، وأين الفتونُ ؟
يا سريري ... ويا شراشف أمي
يا عصافير . يا شذا . يا غصونُ
يا زواريب حارتي ... خبئيني
بين جفنيك ، فالزمان ضنين
واعذريني ، اذا بدوت حزيناً
أن وجه المحب ، وجه حزين
ها هي الشام بعد فرقة دهر
أنهر سبعة ... وحور عين
النوافير في البيوت كلام
والعناقيد سكر مطحون
والسماء الزرقاء ... دفتر شعر
والحروف التي عليه ... سنونو
هل دمشق - كما يقولون - كانت
حين في الليل فكر الياسمين ؟؟
آه يا شام ... كيف اشرح ما بي
وأنا فيك دائماً مسكون
سامحيني ؟؟ أن لم اكاشفك بالعشق
فأحلي ما في الهوى التضمين
نحن أسرى معاً ... وفي قفص الحب
يعاني السجان والمسجون
يا دمشق التي تقصمت فيها
هل أنا السرو ... أم أنا الشربين
أم أنا الفُل في أباريق أمي
أم أنا العشب ، والسحاب الهتون
أم أنا القطة الأثيرة في الدار
تلبي ... أذا دعاها الحنين
يا دمشق التي تفشى شذاها
تحت جلدي ، كأنه الزيزفون
سامحينى ... اذا اضطربت فإني
لا مقفى حبي ولا موزون
وازرعينى تحت الضفائر مشطاً
فاريك الغرام كيف يكون
قادم من مدائن الريح وحدي
فاحتضنيني كالطفل يا قاسيون
احتضنى ... خمسين الفاً وألفا
ذروة العقل ، يا حبيبي ، الجنون
احتضني ... خمسين ألفاً وألفاً
فمع الضم ... لا يجوز السكون
اهي مجنونة بشوقي إليها
هذه الشام ، أم أنا المجنون
حامل حبها .. ثلاثين قرناً
فوق ظهري ... وما هناك معين
كلما جئتها ... أرد ديوني
للجميلات .:. حاصرتني الديون
أن تخلت كل المقادير عني
فبعيني حبيبتي أستعين
يا إلهي ... جعلت عشقي بحراً
أحرام على البحار السكون ؟؟
يا إلهي ... هل الكتابة جرح
ليس يشفى . أم ما ورد ملعون ؟؟
كم أعاني في الشعر موتاً جميلاً
وتعاني من الرياح السفين
جاء تشرين ، يا حبيبة عمري
أحسن الوقت للهوى تشرينُ
ولنا موعد على ( جبل الشيخ )
كم الثلج دافئ ... وحنون
لم أعانقك من زمان طويل
لم أحدثك ، والحديث شجون
لم أغازلك ، والتغزل بعضي
للهوى دينه ... وللسيف دينُ
سنوات سبع من الحزن مرت
مات فيها الصفصاف والزيتون
سنوات فيها استقلت من الحب
وجفت على شفاهي اللحونُ
سنوات سبع بها اغتالنا الياس
وعلم الكلام ... واليانسون
فانقسمنا ... قبائلاً وشعوباً
واستبيح الحمى ، وضاع العرينُ
كيف أهواك حين يكون حول سريري
يتمشى اليهود والطاعون
كيف أهواك ... والحمى مستباح
هل من السهل ان يحب السجين
لا تقولي ، نسيت . لم أنس شيئا
كيف تنسى أهدابهن الجفون
غير أن الهوى يصير ذليلاً
كلما ذل للرجال جبينُ
شام ، شام ، يا أميرة حبي
كيف ينسى غرامه المجنون ؟
اوقدي النار ، فالحديث طويل
وطويل لمن نحب الحنين
شمس غرناطة أطلت علينا
بعد يأس ، وزغردت ميسلون
جاء تشرين ،، أن وجهك أحلى
بكثير ، ما سره تشرين ؟
كيف صارت سنابل القمح أعلى
كيف صارت عيناك بيت السنونو ؟
أن ارض الجولان تشبه عينيك
فماء يجري ... ولوز .. وتين
كل جرح فيها ... حديقة ورد
وربيع ... ولؤلؤ مكنون
يا دمشق البسي دموعي سواراً
وتمني ... فكل صعب يهون
وضعي طرحة العروس لأجلي
أن مهر المناضلات ثمين
رضي الله والرسول عن الشام
فنصر آت ... وفتح مبين
استردت أيامها بك بدر
واستعادت شبابها حطين
بك عزت قريش بعد هوان
وتلاقت قبائل وبطون
إن عمرو بن العاص يزحف للشرق
وللغرب يزحف المأمون
لا خيار أن يصبح البحر بحراً
أو يختار صوته الحسون ؟
ذاك عمر السيوف ... لا سيف إلا
دائن ، يا حبيبتي ، أو مدين
هزم الروم بعد سبع عجاف
وتعافى وجداننا المطعون
وقتلنا العنقاء في ( جبل الشيخ )
وألقى أضراسه التنين
صدق السيف وعده ، يا بلادي
فالسياسات كلها أفيون
صدق السيف حاكماً وحكيما
وحده السيف ، يا دمشق ، اليقين
اسحبي الذيل يا قنيطرة المجد
وكحل جفنيك يا حرمون
سبقت ظلها خيول هشام
وأفاقت من نومها السكين
علمينا الأفعال ... قد ذبحتنا
أحرف الجر . والكلام العجين
علمينا قراءة البرق والرعد
فنصف اللغات وحل وطين
علمينا التفكير ... لا نصر يرجى
حينما الشعب كله سردين
وطني ... يا قصيدة النار والورد
تغنت بما صنعت القرون
أن نهر التاريخ ينبع في الشام
أيلغي التاريخ طرح هجين
نحن أصل الأشياء .. لا فورد باق
فوق أيوانه .... ولا رابين
نحن عكا ... ونحن كرمل حيفا
وجبال الجليل ... واللطرون
كل ليمونة ... ستنجب طفلاً
ومحال أن ينتهى الليمون
اركبي الشمس ، يا دمشق حصاناً
ولك الله حافظ وأمين ...ُ
الشاعر / نزار قباني